السبت، 22 أغسطس، 2009

الباب والمدخل .. لفهم الملحد المدلل ( 1 )


ما أسهل أن ندخل في حوار الطرشان .. تعرفون عن ماذا اتكلم ..
عندما يتناقش إثنين أو أكثر من ذوي الجذور الفكرية المختلفة ويتجادلون في الفروع البعيدة ودون البدئ بنقطة إتفاق نصل إلى مشاجرة كلامية لا يسمع فيها الآخر ولحسن حظي لم أحظى بأحدها حتى الآن
فدائما كنت أتنصل من هذا النوع من الحوارات أو أدير الحوار بنفسي بهدف الوصول لنتيجة


أكتب اليوم على خلفية حوار دار بيني وبين صديق مؤمن أعزه وأحترمه وباعتقادي كان بنائا حيث كان هدفه المسبق فهم الآخر وليس إنتصار أحد الأطراف على الآخر

عندما بدأ الحوار بسؤال من طرفه عن الألحاد وما يؤمن به الملحد وموضوع الصدفة وما إلى ذلك طالبته بأن أدير الحوار حيث قمت بدل الحوار بشرح بعض المفاهيم الأساسية التي إتفق معي بها والتي كان أغلبها غائبا عنه

لم نتطرق للحوار حول الدين والإلاه ولكني أعتقد أن حوارنا كان بنائا أكثر بدون هذه المهاترات وعليه أحببت أن أضع أمامكم ( بصفتي ملحد فخور ) بعض هذه الأفكار كمدخل لفهم الملحد وطريقة تفكيره والأساس الذي يبني عليه حياته وفهمه للكون ولكن وجب أولا التطرق لأصول الحوار الناجح التي أتبعها ..

قواعد الحوار الأساسية

أولا أن يبنى على مبدأ الأحترام والأعتراف بالآخر وحقه برأيه ما لم يؤذي الآخرين فلا حوار قائم بين إثنين لا يحترم أحدهما أو يعترف بوجود الآخر

ثانيا أن ينطلق الحوار من نقطة تلاقي وأتفاق فمهما تعاركت الفروع والأغصان لن تحل المشكلة إلا بالرجوع للجذع أو حتى الجذر

ثالثا إبقاء الموضوع محصورا بالفكرة المراد نقاشها فالتفرع بالنقاش وإلقاء الأأفكار بعشوائية من سمات ضعيف الحجة أو الراغب بتشتيت الحوار بدل الوصول لنتيجة وعليه كنت أنسحب من أي حوار يبدأ صاحبه بالتفرع والتطرق لأمور بعيدة عن موضوعه وغالبا ما استخدمت ورقة وقلم لتثبيت النقاط التي يتفق عليها والعودة والتذكير بما أنجز في الحوار بعد كل فكرة

رابعا تحديد أهداف الحوار قبل البدئ به فالكلام لمجرد الكلام مضيعة للوقت ويفضل تحديد هدف يحاول كل طرف إثباته أو على الأقل الوصول لفهم أوضح عن الآخر

خامسا الحوار الناجح هو الحوار الذي يخرج فيه الطرفين بمكتسبات جديدة تغني حياتهما وفهمهما


إلى الآن لم أتطرق لموضوع البوست وهو عن بعض التعاريف والمفاهيم التي ترسم هوية لعقل الملحد وطريقة فهمه للكون وأرغب في التركيز على فكرة أن هذه المفاهيم تنطبق فقط علي وعلى فهمي وتجربتي الخاصة والتي قد يشترك بها بعض الملحدين وعليه


1 : الملحد حر الفكر ولا يتبع قالبا موحدا مثل المؤمنين الذين يتبعون لمرجعية دينية أكانت شيخا أو إماما أو قسا

إذ أنه وصل إلى الألحاد بفهمه الشخصي وقراره الحر ولا يمكن وضع الملحدين بسلة واحدة عدى عن كونهم لا يعتقدون بوجود الإلاه والخوارق فقط . الملحدين لا يشبهون بعضهم ولكل فكره الخاص

2 : الملحد إنسان لا يختلف عن المؤمن إلا في مصدر قراراته وتفكيره وأخلاقه ( المصدر فقط ولكنها جميعها واحدة وخيرة بأغلبها )

حيث تكون في حالة الملحد أصلية من أنتاجه ومنعكسة عن شخصيته وفي حالة المؤمن منقولة من غيره بأخطائها لا يشغل باله بالتفكير بصحتها أو خطأها

3 : ليس للملحد أي رغبة في هداية الناس للألحاد أو نشر الإلحاد ذاك أنه يعرف أن موضوع القناعات شخصي ويجب أن ينبع من إختيار شخصي حر كما أنه لا يوجد لا ثواب ولا عقاب ولا مكتسبات وبذالك تنتفي المصلحة الشخصية بهداية المؤمن ..

حوار الإلحاد هو حول الممارسات المدمرة للأديان والمفاهيم والموروثات الدينية والأجتماعية المؤذية مثل قبول العبودية و تزويج الأطفال ومصادرة حرية المرأة و الإفتخار بالجهل والتبعية للسلطات الدينية و قتل المرتد و كراهية المختلف والتي يصدف أن يتقبلها المتدين كأمور صحية طبيعية جدا .. بالنهاية نظرتي كملحد هي ( آمن بالحجر لو أحببت .. ولكن لا تقتلني به )

4 : الملحد لا يؤمن بالنظريات ولا يتبع داعية إلحادية أو إمام في الكفر وحتى يفهم هذا الكلام بشكل أفضل أنتقل لبعض التعريفات

الإيمان : هو القبول والتصديق بدون الحاجة إلى برهان ودليل .. تماما كالإيمان بالعروبة أو بإخلاص الزوجة فموضوع الإيمان يعتمد بالدرجة الأولى على الثقة والعواطف الشخصية بدون الحاجة إلى دليل .. أما في حالة توفر الدليل القاطع يتحول الإيمان إلى حقيقة أو يقين .. حيث تنعدم عنه مقومات الإيمان ويصبح شيئ آخر

الحقيقة : هي ما ثبت من خبر على أنه صحيح بالدليل والبرهان حتى وإن لم يتفق مع رغباتنا وفهمنا لذا يقال بأن الحقيقة مرة

اليقين : هو ما يقبل بالدليل والعاطفة معا على أنه حقيقة كالبديهيات كيقيننا بأن الشمس تضيء وأن النار ساخنة أو أن ( 1+1 = 2 )

الإلحاد : هو عدم و رفض القبول والتصديق إلا بدليل وبرهان .. وعليه فإن مجمل سكان الأرض من الملحدين .. نعم المؤمن أيضا ملحد فلابد له من رفض التصديق بشيئ ما مثل الأبراج والسحر والحظ والآلهة الأخرى حيث لا يقبل بحقيقة وجودهم ويطالب بالدليل من المدعي وعليه هو ملحد بالحظ والأبراج و العنقاء والحصان المجنح ووو .. إلخ

الملحد الذي لا يؤمن بوجود الآلهة لا يختلف عن أي إنسان إلا بأنه يلحد بشيئ أو شيئين زيادة عن المؤمن

الفرضية : وهي تفسير يشرح ظاهرة ما يعتمد في ذالك على عناصرها وعلى مكتسباته ومخيلته .. مثل تفسير ظاهرة البرق و الرعد فمن الفرضيات التي كانت شائعة وتفسر ظاهرة الصواعق هو أنها رماح يلقيها زيوس رب الأرباب في الميثيولوجيا الأغريقية على الخطاة والمجرمين .. وبحسب التفسير الإسلامي للظاهرة البرق والرعد هما ملاكين يجوبا السماء بأمر من شبح السماء الخفي .. وكلاهما فرضيتين مقبولتين كفرضيات كونهما تفسران الظاهرة

النظرية : هي مرحلة أخرى حيث تتحول الفرضية إلى نظرية بعد ثبوتها بالأدلة الحقيقية ونجاح التجارب على الظاهرة وفهم كيف تحدث وما عناصرها والأستفادة منها أو تحاشي أذاها .. وفي مثالنا السابق نتحول من الفرضية الميثيولوجية إلى النظرية الألكترونية التي تفسر البرق والرعد على أنهما شحنات سالبة وموجبة ومدعومة بأطنان من التجارب الناجحة وأساليب الإستغلال والتحكم بهذه الظاهرة

النظرية مبنية على المعلومات والتجارب والأدلة والبراهين مما يجعلها ( الحقيقة إلى أن تعدل أو يثبت خطأها ) ويرجع عدم إستقرارها كالمسلمات بسبب أن العلوم تتقدم والأكتشافات مستمرة ولا حقيقة ثابتة مهما بدت قوية وصحيحة إلا وكان هناك إحتمال أن تكون منقوصة بحسب تطور المكتشفات والعلوم ..

الملحد يبني حياته وفهمه على النظريات القابلة للتطور والنمو لا على مسلمات جامدة غالبا ما تكون خاطئة

وهنا أعود لأذكر بالنقطة ( 4 ) فالملحد لا يؤمن بدارون ونظريته ولا يدين بدين الأنفجار الكبير كما يعتقد المتدين بل يقبلها لأنها أفضل التفسيرات الموجودة .. فإن أتى يوم وأظهر لنا العلم والتجربة أنها خطأ فإنه سيتم إستبدالها فورا ولكن فقط بما له أدلة علمية وأساس منطقي قابل للتجريب والإختبار وليس بمجرد خزعبلات غيبية حتى لو كانت هي البديل الوحيد


المطلق والمجرد :

نأتي لتلك الكلمات الكبيرة التي هي أساس الخلاف بين المؤمن والملحد حيث يقبل المؤمن بأن المطلق موجود بصورة الإلاه والأبدية والخلود بينما يرفض الملحد الوجود الحقيقي للمطلق ويبقيه ضمن الأفكار النظرية المجردة

شخصيا لا أقبل فكرة وجود المطلق بل وأعتقد أنها غبية فلا وجود للأبيض بدون الأسود ولا للنعيم بدون العذاب

إن رمز الانهاية في الرياضيات ليس رقما بل وجهة وهدف على مستقيم الأعداد الصحيحة ولا يمكن الوصول له لأنه ببساطة غير موجود .. حيث لا يوجد رقم حقيقي تجمعه مع الواحد "مثلا" فيبقى كما هو .. هذا التناقض المنطقي سببه فساد الطرح وهو هنا إعتبار الانهاية عددا حقيقيا ( موجودا وليس فقط مفهوما مجردا ) ... هذه المشكلة تنشأ بسبب تعودنا على الفكر المجرد وقدرته النظرية على حل المعضلات المنطقية لدرجة لا نستطيع التمييز فيها بين ما هو حقيقي واقعي وما هو نظري تجريدي فيقبل المؤمن فكرة وجود القوة المطلقة والحكمة المطلقة والخير المطلق والعذاب المطلق ومن هذا القبول ينشأ المفهوم الإلاهي والذي ليس إلا إنعكاسا عن المطلق بصورة إنسان

ليس هناك عدل مطلق .. ليس هناك جمال مطلق . . ليس هناك قدرة مطلقة وليس هناك بقاء مطلق ( أبدية ) إذ أن هذه القيم والمفاهيم بشرية الصنع أولا إذ لا تتوفر خارج حدود الأنسان ومجتمعه وثانيا لأنها كلها قيم نسبية حيث أن ما يكون خيرا هنا يكون شرا هناك فلا مقياس ولا نقاط علام وفي النهاية لا يوجد شيئ صح وشيئ خطأ ..

إذا كنت لم تفهم ما عنيته وتجد فيه الكثير من علامات الأستفهام والتعجب فإبقى معي على الخط ...

ببساطة لا يوجد صح مطلق ينفع لكل زمان ومكان وكائن .. كما أنه لا وجود للخطأ المطلق الذي يصلح لكل مكان وزمان وكائن ( على فرض شمل ما هو غير بشري بمفهوم المطلق) .. إذا أردت أن تكون مصيبا بعيدا عن الزلل قدر الأمكان فعليك القول بأن هذا الشيئ صحيح في هذا المجتمع وهذه الثقافة أو من هذا المقياس ومن هذه الوجهة في النظر ...

الموضوع بأكمله نسبي بالإضافة لسخف مفهوم المطلق بحد ذاته

أكتفي اليوم بهذا القدر وأعود لكم في فرصة ثانية لأكمل عن التأثير الديني في المجتمع والفرد ولماذا أفضل أن أكون رافضا كافرا حتى لو كان هناك إلاه موجود وحقيقي ..

وأعيد التركيز على فكرة أن هذه أفكاري الخاصة التي قد يختلف معي بها بعض الملحدين وقد يتفق البعض الآخر ولا يمكنني بأي شكل أن أتكلم بالنيابة عنهم أو أن أمثلهم


سلام

ورمضان كريم وينعاد عليكم جميعا




هناك 3 تعليقات:

rawndy يقول...

هلا غراب

طرح حلو

ولكنك نسيت أن تقول أن المؤمن الشرقي حتى وإن حاورك وظهر لك أنه شبه باغي للحقيقة وأنه يحترمك ولا يقاطعك فإن دينه واساطيره ثابتة بهامته الفارغة وحوارك معه بالنهاية تحصيل حاصل وأنت من تتعب


يعني هل سيعرف المسلم دجل الأديان وأن الإسلام هراء من محاورة واحدة أو اثنتين ؟؟؟ لا لا لا لأنه يستمع لك ولكن قناعاته جامدة

لقد كنت أستخدم أسلوب المعتزلة والترويغ مع رجال الهيئة والحكومة السعودية ومع الأقارب والزملاء لأنجو بنفسي من غباءهم ولأعبر عن أفكاري ولكنني بالأخير انفجرت منهم ومن تخلفهم

rawndy يقول...

سأل زميلي معلم المكتبة الذي يدعي أنه متنور فقال له (1+1)=2 صح ؟؟

فقال الوهابي المسكين: يمكن تتغير مع الزمن!!!!!!!! فخرجت وقال لي تعال : قلت لا كلام لي معك

الغراب الحكيم يقول...

العزيز الراوندي

صراحة أحب أن أخبرك بأنه بالفعل يوجد عرب مسلمون لا فقط مسلمون عرب
هناك من يستطيع إحترام رأيك حتى ولو أختلف معك ربما لطبيعة بلدي وتنوع الديانات بها وأعتقد أني كنت محظوظا بالتعرف لبض هؤلاء

صدقني عندما كنت أحاور هذا الصديق لم تكن لي أدنى نية في أخذ إيمانه منه فبالنهاية هو حر
كل ما فعلته أني أعطيته فهما صحيحا للملحد لا أكثر والباقي عليه

سلام وأتمنى لك الخير والأمان صديقي