الأحد، 13 مارس، 2011

كان يا ما كان في سوريا ..

ثورة ثورة حتى النصر !

قد يكون ما أكتبه اليوم من تزكية واستحسان للثورات العربية متأخرا قليلا .. بل يمكنكم القول أني ( رايح للحج والناس راجعة ) ولكن لم يكن لي أن أكتب حرفا واحدا في غربتي المترفة وأصحاب هذه الثورات يسطرونها بدمائهم وأرواحهم

شعرت أن أي كلمة قد أكتبها ستكون مزايدة على تضحياتهم الحقيقية وكل قصيدة مجرد استغلال لألمهم ونضالهم .. ومازلت أرى هذا

اليوم لن أتكلم عن هذه الثورات الرائعة التي زرعت الأمل في أرض الرمال من جديد وحركت الدماء في شرايين شعب متعب .. أريد اليوم أن أشرح موقفي من أن هذه الثورات ستجد طريقها إلى سوريا .. وأن ما بدأ بتونس لن ينتهي بدمشق
أنا لا أرى هذا ممكنا .. ولو كان لا أتمنى أن يحدث يوما وأنا سوري القلب والهوية ..

ولكن قبل أن أبدأ بالكلام نقف إحتراما للنشيد العربي السوري ..

video


المجتمع السوري يختلف عن المجتمعات التي أثمرت هذه الثورات العربية الحديثة بعدة عناصر
سأذكر منها ثلاثة تجعل من الصعب جدا حدوث ثورة وتضمن أن تتحول إلى مأساة إن هي حدثت

فالسبب الأول هو عدم تجانس الطيف السوري كما في تونس ومصر وليبيا ..
فسوريا متعددة الطوائف كونها بلد قديم على تقاطع طرق التجارة وحدود الحضارات من فارسية ورومانية وإسلامية وغيرها
وقد مر عليها من الغزوات والحروب والحكام والأحداث والشخصيات الكثير و كل منها ترك شيئً خلفه ..
مما ترك الأرض السورية كلوحة فسيفسائية متعددة الأديان والطوائف
كما أن سوريا تتميز عن تونس ومصر وليبيا ( ذوات الأغلبية الساحقة السنية ) أن فيها توازنا للقوى ..

الرأيس السوري في إجتماع مع شخصيات دينية : وهيك بتطلعوا كلكون على بعضكون دجالين .. فهمتو ولا عيد ..؟!


فعمليا لا توجد طائفة غالبة فنسبة السنة مقاربة لنسبة المسيحيين مساوية لنسبة الشيعة .. إلخ
مما يجعل من الصعب الحصول على وحدة رأي شعبي حقيقي في غياب رأي جماهيري مسيطر ..
بالإضافة إلى أن النظام السوري وعلى مر عشرات السنوات ابتداءا ً بحافظ الأب إلى بشار الابن كان ولا زال

يلعب على وتر (فرق تسد) حيث يبقي الشعب متناحرا وتململا من بعضه ( بنسبة محددة وخطوط حمراء لا يتجاوزها )
بحيث لا يتفق عليه ويبقى مشغولا ببعضه البعض .. فتارة يدعم هؤلاء على حساب هؤلاء .. وتارة يضغط على ؤلائك دونا عن آخرين

وعلى الرغم من هذه الجهود إلا أن الرأي العام الشعبي يتفهم أخطار الطائفية ولكن بالنهاية لا يتمتع كل الشعب بهذا الوعي والثقافة
حيث أن المثقفين لا يتجاوزون الـ 5% من مجمل الشعب الذي بالكاد يجيد العربية نتيجة عن التعليم الخارق الحارق الذي نتلقاه في المدارس الحكومية المجانية (المحسودين عليها )


ولكل سوري قصة يرويها عن سوري آخر .. فهذا سني مغرور .. وذاك علوي فاسد .. وذاك شيعي عميل لإيران
وآخر يزيدي يعبد الشيطان .. ودرزي كافر .. ومرشدي و سمعولي ومسيحي رومي أو أرثوذوكسي ..
فكردي وأرمني وعراقي وتركماني .. وآخرون
حيث يغيب أي وعي لتقبل الآخر واحترامه واحترام معتقده فتتطور النكات والقصص إلى أخبار قيل عن قال إلى صورة نمطية لكل طائفة وثقافة تغذي حالة من الفرقة


مآآآآآع ..

قد تتسائلون ..
كيف لهذا الواقع الغريب من التباعد والتفرقة الداخلي أن يكون حقيقة وسوريا لا تزال بلد واحدة لم تتفرق وتتقسم وتتحزب ..؟
كيف نجت من كل تلك التفرقة الداخلية ولم تتحول إلى لبنان آخر على الأقل ..؟

السبب الذي أنقذ سوريا من هكذا مصير هو السبب الثاني الذي يجعل من المستحيل حدوث ثورة فيها .

منذ لحظة ولادة السوري المجيدة التي تشبه كثيرا ولادة أي حيوان ثديي
يبدأ التلقين وغسيل الدماغ من البيت فوسائل الإعلام حتى يتضاعف التركيز عليه بدخوله للمدرسة الابتدائية
فيلزم بالانتساب إلى طلائع البعث منذ نعومة أظلافه ( حوافره ) وهي منظمة تابعة لحزب البعث العربي الاشتراكي
وهذا الانتساب إلزامي إذا كان الطفل سيدرس الابتدائي والذي بدوره إلزامي في سوريا
حيث يحاسب الأبوين إذا لم يدخلوا أولادهم للمدرسة ( يعني لا مفر ..!)
حيث يبدأ هنا التركيز على تعليم الطفل البريء الأغاني والطقوس والطريقة الصحيحة لإلقاء الشعر( صراخا ً)و المنسوج خصيصا لمدح الرئيس وأمجاده وانتصاراته

لصراخ


إلى أن يدخل ( اسم الله عليه ) المدرسة الإعدادية تماما كما دخل الابتدائية .. وينتسب إلى منظمة شبيبة الثورة ( هنا أيضا إلزامية )
وما أن يبلغ من العمر الثامنة عشر حتى يتم تنسبيه لحزب البعث العربي الاشتراكي ..

شخصيا ( وهذه قصتي ) وصلني هاتف من شخص غريب في أيام الثانوية
يتساءل عن سبب عدم حضوري للاجتماعات الحزبية مؤخرا
فأخبرت المتصل المسئول عن الحلقة الحزبية بأني لم أحضر أي اجتماع حزبي لأني لست منتسبا للحزب
وبعد طول حوار قررت أن أذهب لكي أعرف الموضوع لأكتشف أن الموجه في ثانوية " إبن العميد "
قام بتنسيب كل الطلاب ومن بينهم أنا بدون علمي
لا أعرف إن كان هناك ترضية مادية من خلف تنسيب أكبر عدد من الشباب
ولكن إن كان هناك أي مربح فالموجه الأصلع كان يقوم ببيزنيس جيد من وراء منصبه




الخلاصة ..
يمر الكائن الحي السوري منذ لحظة ولادته إلى مماته بتجربة مكثفة من الغسيل الدماغي بإعلامه المرئي والمكتوب ومناهجه الدراسية
ونشرات الأخبار حتى يتحول الانتماء الوطني إلى دين يحتوي كل عناصره من طقوس وعقائد ومسلمات وواجبات وشعارات والتزامات ومحرمات .. يتربع الرئيس الأسد على عرشه كإله مقدس منزه عن الخطأ .. وكل الشرور التي في البلد ليست منه وكل الخير في البلد حصرا من بين يديه المعطائة

حتى أنه قيل أن الأب و الابن والروح القدس هم حافظ الأسد .. وبشار .. وباسل الأسد الذي توفي في 1993 وما زالت أيقونتهم الثلاثية تباع وتخاط على البدلات العسكرية وتلصق على كتب المدارس

شعب كهذا لا يستطيع الثورة .. لأنه لا يعرف ماذا يريد وغير قادر على تخيل البدائل
وغير مؤهل للعيش بديمقراطية بعد ..
إذا كان الرئيس السوري بشار الأسد يعمل على الخير لسوريا بحب وصدق بعيدا عن فساد أعوانه وبطانته
فعليه تجهيز الشعب للتحول الديمقراطي وإرساء دعائم حرية التعبير والرأي فهو بالنهاية لن يبقى إلى الأبد ..
إلا إذا كان يخطط لوضع أبنه حافظ في السلطة من بعده ليصبح (حافظ الثاني رئيس المملكة السورية )


الرأيس السوري القادم ( حافظ بشار حافظ الاسد ) .. البابان الأكبر حافظ الثاني قدس الله سره


وأخيرا نأتي للسبب الأخير وهو ما قدمته الحركات الثورية الجديدة
حيث تمثل خطابها بالعنصرية والطائفية التي يخشاها الشعب حينا وحينا آخر مثل أطماع جهات من خارج سوريا بنصيبها من الكعكة ..
أنا لست ممن يسوقون لنظريات المؤامرة
ولكن أطماع بعض الأطراف واضحة مثل رفعت الأسد وأولاده وعبد الحليم خدام وباقي آل كنعان
الهاربين إلى الخارج بعد سرقتهم لقوت الشعب وحياته ..

هم لا ينادون بالثورة إلا طمعا بالمزيد وانتقاما من آل الأسد الذي أستأثر بخيرات البلاد
أي عدنا إلى نفس النقطة السابقة .. وهي عدم وجود أو إدراك بديل أو خطة للخروج من الأزمة ..
بل أن الأزمة الحقيقية هي عدم تمييزنا للأزمة حتى نبدأ بالتفكير بطريقة الحل



هؤلاء المنادون بإسقاط الأسد والانتقام من العلوية ليس لديهم النية أو القدرة على النهوض بالبلاد من وضعها الحالي
والشعب مدرك لهذا لذى لا يمكن أن تنجح هكذا دعوات وإن نجحت فإن الأربعة وأربعين حرامي سيستبيحون دمشق وسيشنق المختار والدرك والشيخ والعقيد أبو شهاب مع كل المواطنين الشرفاء على باب الحارة ..


دمتم بود

سلام


ليست هناك تعليقات: